بقلم معالي وزير السياحة الاستاذ أحمد عقيل الخطي حفظه الله

حين انطلقت رؤية السعودية 2030، برعاية وتوجيه مولاي خادم الحرمين الشريفين وصاحب السمو الملكي ولي العهد – حفظهما الله – لم تكن غايتها رسم ملامح مستقبل اقتصادي فحسب، بل إعادة صياغة علاقة المملكة بذاتها وبالعالم من حولها. رؤية انطلقت من إدراك عميق لإمكانات هذا الوطن، ومن إيمان راسخ بقدرة الشعب السعودي على قيادة التحول وصناعة الأثر.

في قلب هذا التحول، برزت السياحة بوصفها أحد أكثر المسارات تعبيرًا عن هذا التوجه. فهي امتداد لإرث حضاري عريق، وفي الوقت ذاته أفق تنموي واسع، تتقاطع فيه الهوية مع الاقتصاد، ويجتمع فيه الحضور العالمي مع الاعتزاز بالجذور.

لطالما شكّلت الضيافة والثقافة والتنوّع الجغرافي عناصر أصيلة في تكوين المملكة. ومع رؤية السعودية 2030، انتقلت السياحة إلى مرحلة أكثر نضجًا واتساعًا، لتغدو منظومة متكاملة تُبنى من خلالها الصناعات، وتُستقطب الاستثمارات، وتُتاح عبرها المسارات المهنية، وتشارك فيها المجتمعات المحلية بوصفها شريكًا في النمو لا متلقيًا له فقط.

وعلى مدى السنوات الماضية، تبلورت هذه المسيرة على أرض الواقع. مدن تاريخية استعادت مكانتها، ووجهات طبيعية برزت على الخارطة السياحية العالمية، ومناطق كانت بعيدة عن الحراك الاقتصادي أصبحت جزءًا من حركة وطنية متنامية. من العلا إلى جدة، ومن سواحل البحر الأحمر إلى الدرعية، تشكلت تجارب سياحية تنبع من روح المكان وتاريخه.

ومع هذا التوسع، جاءت النتائج تباعًا. وخلال عام 2024م، أسهمت السياحة بشكل مباشر بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستمر العمل للوصول إلى 10% بحلول عام 2030، ضمن مسار واضح يقوم على التخطيط طويل الأمد والتنفيذ المنضبط. وقد تجاوز إجمالي عدد السياح المحليين والوافدين من الخارج حاجز 100 مليون سائح، محققين هذا المستهدف قبل الموعد المخطط له بسبع سنوات، واستمر النمو خلال عام 2024 باستقبال نحو 116 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، في مؤشر يعكس التحول الذي تشهده المملكة ويعزز مكانتها على خارطة السياحة العالمية.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا التقدم تتجاوز المؤشرات الكمية. فهي تظهر في الأثر الإنساني والاجتماعي المصاحب له. ومع نهاية شهر أغسطس لعام 2025م، أسهم القطاع السياحي في توفير أكثر من مليون وظيفة في الأنشطة المميزة للسياحة، يشغلها شباب وشابات يعملون في الضيافة، وأنشطة وكالات السفر، وخدمات الحجز، والمأكولات والمشروبات، ونقل الركاب، وغيرها. كما برز حضور المرأة في مختلف مفاصل القطاع، وأسهمت المنشآت الصغيرة، بما فيها الشركات العائلية، في إثراء التجربة السياحية وتوسيع نطاقها.

وقد كان لدور القيادة أثر حاسم في تهيئة البيئة الممكنة لهذا النمو، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الأطر التنظيمية، وتعزيز سهولة الوصول إلى المملكة عبر التأشيرات الإلكترونية التي تربط اليوم مواطني 66 دولة بالمملكة. كما وُجّهت استثمارات شملت قطاع الطيران، وتطوير الوجهات، والبنية الرقمية، وتنمية رأس المال البشري، ضمن رؤية تستهدف الاستدامة وبناء قيمة طويلة الأمد حتى عام 2030.

ومع اتساع الحركة السياحية، تعمّق التفاعل الثقافي والإنساني. فكل زيارة تفتح مجالًا جديدًا للتعارف، وكل تجربة تسهم في تشكيل صورة ذهنية قائمة على الضيافة، والأمان، والابتكار، والاحترام المتبادل. وهي رواية تتشكّل من التجربة المباشرة، وتنتقل عبر الناس قبل المنصات.

وقد تعزز هذا الحضور من خلال شراكات دولية ممتدة مع المنظمات السياحية العالمية، وشركات الطيران، والمستثمرين، والمشغلين، ومبتكري التقنية. وانعكس ذلك في نمو حصة السياحة من الصادرات الوطنية من 6% في عام 2019م إلى 11% في عام 2024م. وإضافة إلى ذلك، أسهم القطاع في تعزيز فائض الميزان التجاري؛ إذ ارتفعت حصة السياحة في الميزان التجاري من 2% فقط (بفائض 4.8 مليار ريال) في عام 2019م إلى 45% (بفائض 50.3 مليار) في عام 2024م، وهو ما يشير إلى نمو فائض السياحة بما يزيد على 10 أمثال، ويؤكد الدور المتنامي للقطاع في دعم مرونة الاقتصاد الوطني وتعزيز حضوره العالمي.

ومع اقتراب عام 2030، يتواصل العمل لبناء قطاع سياحي يتمتع بالمرونة والاستدامة والتنافسية العالمية، ويظل مرتبطًا بعمق بهويتنا الوطنية. ويتحقق ذلك عبر الاستثمار في الكفاءات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتوسيع شبكة المسارات الجوية، وضمان أن تقدم كل وجهة، مهما كان حجمها، تجربة تحترم المكان والضيف معًا.

وعلى الصعيد الشخصي، يرافق هذه المسيرة شعور عميق بالاعتزاز والمسؤولية. فالانتماء إلى هذا التحول، والمشاركة في بنائه، شرف يزداد عمقًا مع كل خطوة. إن الشباب الذين يستقبلون ضيوف المملكة، والحرفيين الذين ينقلون مهاراتهم عبر الأجيال، ورواد الأعمال الذين يبتكرون تجارب جديدة، هم جوهر هذه القصة وصنّاع أثرها الحقيقي.

اليوم، تواصل المملكة العربية السعودية مسيرتها بثبات واتزان، وتكتب فصلًا جديدًا من علاقتها بالعالم عبر السياحة. فصل يقوم على الرؤية، والعمل، والثقة بما يحمله المستقبل. إنها قصة وطن يفتح أبوابه بثقة، ويبني نموه بوعي، ويشارك العالم هويته وفرصه من دون تردد.

للاطلاع على التقرير كاملاً والمصدر الرسمي: اضغط هنا لزيارة المقال الأصلي