القدية: عاصمة الترفيه والرياضة والفنون
استكشف الرؤية، الوجهات، والأثر الاقتصادي لمشروع المستقبل.
يُمثل مشروع القدية حجر الزاوية في استراتيجية “رؤية المملكة 2030” الطموحة، حيث يتجاوز دوره التقليدي كوجهة ترفيهية ليصبح محركاً اقتصادياً واجتماعياً يعيد تعريف مفهوم “جودة الحياة” في المنطقة.
إن هذا المشروع العملاق، الذي يُعد أحد المشاريع الكبرى (Giga-projects) التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، لا يهدف فقط إلى تنويع مصادر الدخل، بل يسعى إلى خلق نموذج عالمي جديد لاقتصاديات المدن القائمة على الترفيه والرياضة والثقافة، مستهدفاً استقطاب اهتمام الأسواق الدولية وتحويل العاصمة الرياض إلى واحدة من أكبر 10 اقتصاديات مدن في العالم.
1. الإطار الاستراتيجي والتحول الوطني: رؤية ما بعد النفط
1.1 فلسفة “قوة اللعب” (Power of Play)
تتمحور الهوية المؤسسية والتخطيطية للقدية حول فلسفة مركزية هي “قوة اللعب”. هذه الفلسفة ليست شعاراً تسويقياً فحسب، بل هي ركيزة تنموية تهدف إلى الاستثمار في الإمكانات البشرية، خاصة وأن 67% من المجتمع السعودي هم من الفئة العمرية الأقل من 35 عاماً.
يهدف المشروع إلى توفير بيئة حاضنة للمواهب الشابة في مجالات الرياضة، والفنون، والرياضات الإلكترونية، وصناعة الترفيه، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر حيوية وازدهاراً وانفتاحاً.
1.2 الأثر الاقتصادي الكلي والمساهمة في الناتج المحلي
تُظهر التحليلات الاقتصادية للمشروع أرقاماً طموحة تعكس حجم الاستثمار والتوقعات المعقودة عليه. من المتوقع أن يساهم مشروع القدية بحوالي 135 مليار ريال سعودي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة عند اكتمال تشغيله، بالإضافة إلى خلق ما يقارب 325,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
الجدول أدناه يوضح أبرز المستهدفات الاقتصادية:
| المؤشر الاقتصادي | المستهدف الاستراتيجي (عند الاكتمال) | السياق والتأثير |
| المساهمة في الناتج المحلي | 135 مليار ريال سعودي | تعزيز الاقتصاد غير النفطي وتقليل التسرب الاقتصادي السياحي للخارج. |
| عدد الزوار السنوي | 48 مليون زيارة | تحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية تنافس الوجهات التقليدية. |
| فرص العمل | 325,000 وظيفة | توطين خبرات جديدة في قطاعات إدارة الفعاليات، الهندسة الترفيهية، والضيافة. |
| عدد السكان المقيمين | 600,000 نسمة | خلق مجتمع حضري متكامل الخدمات وليس مجرد وجهة موسمية. |
2. المخطط الحضري والتكامل الطبوغرافي: مدينة في قلب الجبل
يمتد مشروع القدية على مساحة شاسعة تتجاوز 360 كيلومتراً مربعاً، مما يجعلها أكبر بثلاث مرات من مدينة باريس الفرنسية. يقع المشروع على بعد 40 دقيقة فقط من وسط العاصمة الرياض، ويتميز بموقعه الاستراتيجي في قلب جبال طويق.
2.1 استغلال التضاريس الطبيعية
لم يلجأ المخططون إلى تسوية الأرض بشكل كامل، بل اعتمدوا نهجاً تكاملياً يستغل المنحدرات والوديان لتعزيز التجربة الترفيهية. يتجلى ذلك بوضوح في:
- تصميم “استاد الأمير محمد بن سلمان” المعلق على حافة جرف بارتفاع 200 متر.
- تصميم مسارات الأفعوانيات ومضمار السيارات لتتداخل مع التكوينات الصخرية.
هذا الدمج بين البيئة الطبيعية والهندسة المتقدمة يخلق هوية بصرية فريدة للمدينة تميزها عن غيرها من الوجهات العالمية المستوية.
2.2 البنية التحتية للنقل والربط
لضمان انسيابية الحركة واستيعاب الملايين من الزوار، تم تصميم شبكة مواصلات متعددة الوسائط:
- الربط الخارجي: طريق سريع رئيسي ومشروع “قطار القدية السريع” الذي يربط المدينة بمطار الملك سلمان الدولي في رحلة تستغرق 30 دقيقة فقط.
- الربط الداخلي: 8 محطات مترو لتسهيل التنقل، مع تخصيص 20% من المساحة للأماكن العامة والمشاة لتعزيز مفهوم المدينة الخالية من الازدحام.
3. منظومة الترفيه العالمية: تحطيم الأرقام القياسية
تُشكل المدن الترفيهية العمود الفقري للجذب السياحي في القدية، وقد صُممت لتكون وجهات “الأولى من نوعها” أو “الأكبر في العالم”.
3.1 Six Flags مدينة القدية: إعادة تعريف الإثارة
من المقرر افتتاح هذا المعلم البارز رسمياً في 31 ديسمبر 2025، ليكون أول متنزه يحمل علامة Six Flags خارج أمريكا الشمالية بتصميم أصلي بالكامل. يضم المتنزه 28 لعبة وتجربة موزعة على 6 مناطق ترفيهية.
أبرز المعالم القياسية:
- رحلة الصقر (Falcon’s Flight): الأفعوانية الأكثر تطرفاً في العالم (الأطول، الأعلى، والأسرع)، بسرعة تتجاوز 250 كم/ساعة وهبوط رأسي مذهل.
- برج سيروكو (Sirocco Tower): أطول برج هبوط حر (Free-fall) في العالم.
3.2 متنزه أكواريبيا (Aquarabia): واحة مائية في الصحراء
يُعد أول حديقة مائية محلية الصنع في المملكة والأكبر في المنطقة، باستثمار يبلغ 2.8 مليار ريال سعودي. يضم المتنزه 22 لعبة وتجربة، ويتميز بتقنيات متطورة لتقليل هدر المياه بنسبة تصل إلى 90%، مما يجعله نموذجاً للاستدامة البيئية.
3.3 متنزه دراغون بول: القوة الناعمة للأنمي
المتنزه الترفيهي الوحيد في العالم المستوحى من سلسلة الأنمي الأسطورية “دراغون بول”، يمتد على مساحة تتجاوز 500,000 متر مربع.
- أيقونة المشروع: مجسم التنين “Shenron” بارتفاع 70 متراً، يحتوي بداخله على أفعوانية ضخمة.
4. البنية التحتية للرياضة: مضامير وملاعب المستقبل
تطمح القدية لأن تكون العاصمة الرياضية للمنطقة، مستفيدة من بنية تحتية مصممة لاستضافة الفعاليات الكبرى مثل كأس العالم وسباقات الفورمولا 1.
4.1 مضمار السرعة (Speed Park Track)
صممه سائق الفورمولا 1 السابق أليكس فورتز والمصمم هيرمان تيلك. يتميز بوجود 21 منعطفاً وتغير في الارتفاع يصل إلى 108 أمتار.
- ذا بليد (The Blade): أول منعطف معلق في العالم، يرتفع 70 متراً فوق سطح الأرض (ارتفاع مبنى من 20 طابقاً)، وتمر السيارات فوق منطقة مخصصة للحفلات الموسيقية.
4.2 استاد الأمير محمد بن سلمان: ملعب فوق السحاب
جوهرة التاج الرياضي في القدية، يقع على حافة جرف طويق بارتفاع 200 متر. يتميز بتصميم مستقبلي يضم سقفاً قابلاً للسحب وأرضية متحركة وجدار LED عملاق. الملعب مؤهل لاستضافة مباريات كأس العالم 2034.
5. عاصمة الرياضات الإلكترونية: اقتصاد العالم الافتراضي
خصصت القدية منطقة كاملة للألعاب والرياضات الإلكترونية بمساحة تزيد عن 500,000 متر مربع، لتكون موطناً لـ 25 نادياً و30 مقراً إقليمياً لشركات تطوير الألعاب.
- الساحات (Arenas): تضم 4 ساحات عالمية، أبرزها ساحة بسعة 5,155 مقعداً ومجهزة بأكبر مساحة شاشات فيديو مجمعة.
- التجربة الحسية: مقاعد لمسية (Haptic Seats) تتيح للجماهير الشعور بالحركة والاهتزازات.
- كأس العالم للرياضات الإلكترونية: بموجب شراكة استراتيجية، ستصبح المنطقة الموطن الرسمي والدائم لهذه البطولة العالمية.
6. التحول الرقمي والمدن الإدراكية
بالتعاون مع شركة “Globant”، تطور القدية منصة “PLAY LIFE Connected Experience” التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير تجربة مخصصة لكل زائر، مما يزيل نقاط الانتظار التقليدية ويجعل الرحلة سلسة من الحجز وحتى المغادرة.
7. الاستدامة البيئية في قلب الصحراء
رغم التحدي البيئي، تلتزم القدية بمبادرة السعودية الخضراء عبر:
- ترشيد المياه: خفض الهدر بنسبة 90% واستخدام المياه المعاد تدويرها بالكامل للري والتبريد.
- إدارة النفايات: إعادة تدوير 94% من النفايات الصلبة ومعالجة 90% من النفايات العضوية بحلول 2035.
8. الموقف التنفيذي ومراحل الإنجاز (تقرير 2025)
يسير العمل في مشروع القدية وفق جدول زمن دقيق، حيث تشير أحدث البيانات لعام 2025 إلى تحقيق نسب إنجاز متقدمة:
| المشروع | نسبة الإنجاز | الحالة والملاحظات |
| القدية | 98% | الأعمال النهائية والتشغيل التجريبي (افتتاح ديسمبر 2025). |
| متنزه أكواريبيا | 97% | اكتمال معظم الهياكل والألعاب المائية. |
| ملاعب الجولف | 84% | تقدم كبير في أعمال التشكيل والزراعة. |
| مضمار السرعة | 36% | الأعمال الإنشائية مستمرة في الهياكل المعقدة. |
الخلاصة
إن مشروع القدية يمثل تجسيداً حياً لتحول المملكة العربية السعودية نحو مستقبل لا يعتمد على الموارد الطبيعية فحسب، بل على الإبداع البشري. ومع اقتراب افتتاح معالمها الرئيسية في نهاية 2025، تتجه الأنظار نحو جبال طويق لتشهد ولادة عاصمة عالمية جديدة للترفيه والرياضة والثقافة.
