في عمق صحراء الصياهد، حيث يلتقي دفء الرمال بنسمات الشتاء، يواصل مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل تقديم أكبر تظاهرة عالمية تُبرز مكانة الإبل في تاريخ الإنسان السعودي وتراثه وثقافته واقتصاده. ويُعدّ المخيم الثقافي أحد أبرز معالم المهرجان، إذ يعيد تجسيد حياة البادية القديمة من خلال العروض التراثية، والروايات الشعرية، وطقوس إعداد القهوة العربية باستخدام أدوات عتيقة تجاوز عمر بعضها المئة عام.

ويتيح المخيم للزوار التعرف على بيوت الشعر وأنماطها، واكتشاف طرق المعيشة في الصحراء، بما في ذلك اعتماد السكان قديمًا على الإبل في الماء والتنقل والرعي. كما يقترب الضيوف من عالم ألوان الإبل المتنوعة، كالـمغاتير والمجاهيم، وما يتفرع منها من ألوان دقيقة تسهم في تقييم السلالات وجمالها، إضافة إلى الصفات الإنتاجية التي تجعل المجاهيم أكثر تفوّقًا في إدرار الحليب.
ويمتد اهتمام المملكة بهذا الموروث إلى الجوانب العلمية الحديثة؛ إذ نجح فريق بحثي في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في تطوير نظام ذكي يعتمد على طائرات مسيّرة لرصد الإبل وتتبع حركتها بدقة عالية دون الحاجة إلى أطواق التتبع المكلفة، وهو ما يُعد خطوة مهمة في ظل قدرة الإبل على قطع مسافات قد تصل إلى 50 كيلومترًا يوميًا.
اقتصاديًا، يسهم قطاع الإبل بأكثر من ملياري ريال سنويًا من خلال المنتجات الغذائية والسياحة والخدمات البيطرية، حيث بلغ عدد الإبل في المملكة أكثر من 2.23 مليون متن، تتصدرها منطقة الرياض. وتوثّق دارة الملك عبدالعزيز هذا الإرث عبر معارض متخصصة، فيما أصدر مجمع الملك سلمان “معجم مصطلحات الإبل” لحفظ اللغة المتعلقة بهذا التراث.
وتشهد الفنون الصخرية على وجود الإبل في الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، فيما حظيت بمكانة دينية وتاريخية عميقة امتدت من ناقة صالح عليه السلام إلى ناقة النبي ﷺ “القصواء”، إضافة إلى حضورها في توحيد المملكة عبر ناقة الملك عبدالعزيز “مصيحة”.
كما أسهم مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل في تعزيز الوعي بالسلالات الأصيلة وتشجيع الممارسات الصحيحة لدى المربين، بحسب ما يؤكده المهتم بالشأن الإبلي خالد العتيبي. وفي سياق التطوير الاقتصادي، أعلن صندوق الاستثمارات العامة تأسيس شركة “سواني” لتمكين نمو صناعة حليب الإبل والارتقاء بقطاع الأغذية المحلي بما يتماشى مع رؤية 2030.
وبين تراث البادية وابتكارات التقنية الحديثة، تظل الإبل رمزًا أصيلًا للشموخ والصبر، تواصل رحلتها من دروب القوافل القديمة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، حاملة إرث الماضي إلى آفاق المستقبل.




